جلال الدين السيوطي

5

معترك الاقران في اعجاز القرآن

فيبسطهما على بساط فتهبّ الرياح فتتلاشى الروائح المستعارة ، كلّ رائحة تعود إلى أصلها ، فيبقى الأصل على ما خلق عليه . فكذلك الكافر والمؤمن في صلب آدم ؛ فأصاب الكافر رائحة من المؤمن ، فيعمل منها الحسنات ، وأصاب المؤمن رائحة من الكافر فيعمل منها السيئات ؛ فإذا كان يوم القيامة يجمعهم اللّه في بساط واحد ، فتهبّ رياح القيامة ، فترجع حسنات الكافر إلى المؤمن ، ويرث بها منزله في الجنة ، وسيئات المؤمن إلى الكافر ويرث بها منزله في النار [ 218 ا ] فتتلاشى العوارى ، وتبقى الأصول على ما قدّر وقضى ؛ قال تعالى « 1 » : « لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ » . وقال « 2 » : « وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ » . ومنها أنه كان في خروجه من الجنة رحمة من اللّه له وإكراما بالنبوءة والتكاليف . والفائدة فيه أنه يرحم من عصاه في جواره ، فالأولى ألّا يعاقب من عصاه في جوار إبليس . قيل : إنه قال : يا رب ، إني أستحى من ولد محمد . فقال له : سأمهّد له عذرك ؛ فقال « 3 » : « وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً » ؛ أي لم يعتقد الذنب ، ولم يثبت عليه ؛ بل اعتذر وندم . وكذلك مهّد اللّه عذر هذه الأمة المحمدية بقوله « 4 » : « لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ » . وقال « 5 » : « وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً » . « « 6 » خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ » . أدبك بأوامر ولم يرض أن يعاتبك غيرة منه إليك ، فاعتذر منك إليك . ( « 7 » فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ ) ، أي أخذ ، قيل ، على قراءة الجماعة . وقرأ ابن كثير بنصب آدم ورفع الكلمات ؛ فتلقى على هذا من اللقاء ،

--> ( 1 ) الأنفال : 37 ( 2 ) العنكبوت : 13 ( 3 ) طه : 115 ( 4 ) النحل : 119 ( 5 ) النساء : 28 ( 6 ) الأنبياء : 37 ( 7 ) البقرة : 37